الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
354
تفسير روح البيان
انه كهانة وسحر كما قال وما تنزلت به الشياطين وفيه إشارة إلى أنه ليس محمد القلب عند الاخبار عن المواهب الغيبية والإلهامات السرية بمتهم بالكذب والافتراء وما هو بقول بعض القوى البشرية فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ استضلال لهم فيما يسلكونه في امر القرآن والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهور انه وحي مبين وليس مما يقولون في شئ كما تقول لمن ترك الجادة بعد ظهورها هذا الطريق الواضح فأين تذهب شبهت حالهم بحال من يترك الجادة وهو معظم الطريق ويتعسف إلى غير المسلك فإنه يقال له أين تذهب استضلالا له وإنكارا على تعسفه فقيل لمن يقول في حق القرآن ما لا ينبغي من وضوح كونه وحيا حقا اى طريق تسلكون آمن من هذه الطريقة التي ظهرت حقيتها ووضحت استقامتها وأين ظرف مكان مبهم منصوب بتذهبون قال أبو البقاء التقدير إلى أين فحذف حرف الجر ويجوز أن لا يصار إلى الحذف بل إلى طريق التضمين فكأنه قيل أين تؤمون وقال الجنيد قدس سره أين تذهبون عنا وان من شئ الا عندنا وفي التأويلات النجمية فأين تذهبون من طريق الحق إلى طريق الباطل وتتركون الاقتداء بالروح وتختارون اتباع النفوس إِنْ هُوَ ان نافية والضمير إلى القرآن اى ما هو إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ موعظة وتذكير لهم والمراد الانس والجن بدلالة العقل فإنهم المحتاجون إلى الوعظ والتذكير لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أيها المكلفون بالايمان والطاعة وهو بدل من العالمين بالعادة الجار بدل البعض من الكل ولا تخالف بين الأصل المتبوع والفرع التابع لان الأول باعتبار الذات والثاني باعتبار التبع أَنْ يَسْتَقِيمَ مفعول شاء اى لمن شاء منكم الاستقامة بتحرى الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين مع أنه ذكر شامل لجميع المكلفين لأنهم هم المنتفعون بالتذكير دون غيرهم فكأنه مختص بهم ولم يوغظ به غيرهم وَما تَشاؤُنَ اى الاستقامة مشيئة مستتبعة لها في وقت من الأوقات يا من يشاؤها وذلك ان الخطاب في قوله لمن شاء منكم يدل على أن منهم من يشاء الاستقامة ومن لا يشاؤها فالخطاب هنا لمن يشاؤها منهم يروى ان أبا جهل لما سمع قوله تعالى لمن شاء منكم أن يستقيم قال الأمر إلينا ان شئنا استقمنا وان شئنا لم نستقم وهو رأس القدرية فنزل قوله تعالى وما تشاؤن إلخ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ من إقامة المصدر موقع الزمان اى الا وقت أن يشاء اللّه تلك المشيئة المستتبعة للاستقامة فان مشيئتكم لا تستتبعها بدون مشيئة اللّه لها لان المشيئة الاختيارية مشيئة حادثة فلا بدلها من محدث فيتوقف حدوثها على أن يشاء محدثها إيجادها فظهر ان فعل الاستقامة موقوف على إرادة الاستقامة وهذه الإرادة موقوفة الحصول على أن يريد اللّه أن يعطيه تلك الإرادة والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء فأفعال العباد ثبوتا ونفيا موقوفة الحصول على مشيئة اللّه كما عليه أهل السنة رَبُّ الْعالَمِينَ مالك الخلق ومربيهم أجمعين بالأرزاق الجسمانية والروحانية وفي الحديث القدسي يا ابن آدم تريد وأريد فتتعب فيما تريد ولا يكون الا ما أريد قال وهب بن منبه قرأت في كتب كثيرة مما أنزل اللّه على الأنبياء انه من جعل إلى نفسه شيأ من المشيئة فقد كفر قال أبو بكر الواسطي قدس سره أعجزك في جميع